15 مشاهدات
في تصنيف التعليم بواسطة (20.5ألف نقاط)

تلخيص لـ( ملخص كتاب : ينبوع الغواية )


الاجابة


بسم الله الرحمن الرحيم

تلخيص لـ( ملخص كتاب : ينبوع الغواية )

* التلخيص لا يغني عن المقرر الموضوع من الإدارة

* التلخيص هو إجتهاد طالب لخصه لنفسه فرأى حاجة إخوانه للتلخيص فبادر لنشره , ولذا لا يخلوا من الخطأ بطبيعة الحال

* قد يوجد تصرف في اللفظ ( سواء في بعض النقولات أو في بعض عبارات المؤلف )

* اختصرت إختصارا مخلا في موضع وهو ( ضبط منهجية النص ) لورودها في محاضرة منهجية الإستدلال عند أهل السنة والجماعة .

وأسأل الله أن يوفق وأن ينفع بالتلخيص اخواني واخواتي :)

..

 ( منزلة التسليم لله ورسوله )

البحث في محركات الأفكار مبحث شيق يفتش في البواعث الفعلية اللتي تقف خلف تبني الأفكار والمعتقدات والتصورات ويبحث في المحركات الحقيقية الفاعلة اللتي تدفع الشخص أو الطائفة لتبني الأفكار والمعتقدات والتصورات .

ولأن كان للمعرفة والعلم أثر في كبير في تحريك المشهد الفكري المعاصر  فمن الوهم إعتقاد أنه يشكل الفاعل الوحيد في المشهد , إذ الظاهرة الإنسانية ظاهرة مركبة معقدة .

ولذا في كثير من الأحيان لا يكون للعامل ( العلمي/المعرفي ) التأثير الحقيقي في تبين الفكرة والتصور , بل يكون راجع إلآ إعتبارات أخرى : كالكبر والحسد أو مصالح شخصية أو مكاسب عاجلة أو غير ذلك .

فمثلا من الأطروحات المعاصرة : حد الردة

فالنقاش وإن بدا نقاش في يدور في فلك النص ودلالة الشريعة لكنه كثيرا ما يكون متأثرا بعوامل فاعلة تعمل من خلف الستار .

من تأمل في كثير من الإنحرافات الفكرية في هذا الزمان فسيجد أنها عائدة إلى مركب :-

- هيمنة النموذج الثقافي الأجنبي

- ضعف التسليم لله ورسوله

ومع هذا الحضور الطاغي في المشهد العالمي للقيم الليبرالية تخلق مزاج ليبرالي عام , على إثرها تمت إعادة قراْة النص الشرعي تحت ضغط هذه القيم والقناعات الليبرالية , ومن ثم تمت محاولة إعادة ترتيب المشهد الإسلامي وفق القيم الليبرالية .

س / ماهي المناعة ضد التأثر بالقيم الليبرالية وغيرها , و الإنحراف في المجال العقدي بشكل عام ؟

ج / ترسيخ أصل الإنقياد والخضوع والإذعان والتسليم للوحي في النفوس .

( أساسيات ومرتكزت التسليم للنص الشرعي )

- من الله البيان ومنا التسليم والإذعان :-

( يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم نورا مبينا )

( هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين )

( ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيْ وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين )

هذا هو شأن الدين ( حجج وبراهين ونور وكتاب مبين وهدى و معظة ورحمة وبشرى للمؤمنين )

فليس دين الله بالغامض والملتبس أو المشتبه الذي لا يهتدى إلى حقائقه ومعانيه بل هو بين واضح بحمد الله

- حقيقة التسليم هو : بذل الرضا بالحكم .

ويكون التسليم لأمر الله الشرعي بـ:-

* باعتقاد ما أوجب الله إعتقاده

* فعل ما أوجب الله فعله

* ترك ما أوجب الله تركه

والتسليم لأمر الله الكوني :-

بالرضا بقضاء وقدره والصبر على المصائب ومدافعة القدر بالقدر .

ولا يكمل ولا يتم إلا بتنقية القلب وتخليصه من أربعة أدواء :-

1 / شبهة تعارض الخبر

2 /  إرادة تعارض الإخلاص

3 / شهوة تعارض الأمر

4 / إعتراض يعارض القدر والشرع

- التسليم موقف عقلاني :-

من الأوهام الغليظة تصور بعضهم أن التسليم تأسيس للا عقلانية والدوغمائية والإيمان عن عماية وجهل وعزل كلي للأداة العقلية لينفتح المجال لمحض التقليد والمتابعة من غير حجة أو دليل .

والحق أن التسليم يرتكز في أساسه على معطيات علمية/عقلية

توضيح ذلك أن مصادر المعرفة ثلاثة :-

1 - العقل

2 - الحس

3 - الخبر

وأصل تصويب الخبر يقوم على مرتكزين أساسيين :-

1 / السلامة من الكذب , وضمانته : صدق المُخبر .

2 / السلامة من الوهم , وضمانته : معرفة ضبط المخبر .

وقد ثبت لنا بالعقل : صدقه - عليه الصلاة والسلام - والعصمة له

فإذا سيحكم العقل بحق تصديق الخبر , وعليه فالتسليم بخبره تسليم مرتكز على مبدأ عقلي صحيح

إثبات النبوة ووجوب متابعته مبنية على دلائل محكمة :-

1 / حقيقة الوحي : بيان ماهية الوحي و وطبيعته ينبغي أن يكون مأخوذا من الوحي ذاته باعتبار خروجه ومباينته للمعرفة البشرية وضمان سلامة هذه المعرفة مرهون بثبوت سلامة الوحي ذاته .

2 / ثبوت الوحي : ما يتعلق بثبوت الوحي وحصوله للمعنيين ( أنبياء ورسل ) فطريقه الأساس طريق عقلي ومن هنا كثر كلام أهل العلم في شرح دلائل النبوة

3 / إنتقاء ما يعارض دلالة الوحي : باعتبار أن حق فلا يتصور أن يتعارض بل هي منتفية قطعا

فهي تبنى على سابقتيها .

- التسليم بين الترغيب والترهيب :-

( بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون )

وحذَر من واجب ترك التسليم فقال :-

( فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما )

( فليحذر الذين يخالفون عن أمره تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم )

بل بين أن من لم يسلم لله فإن ذلك لكونه عنده مرض في القلب أو هوى ناشئ عن كفر أو نفاق :-

( ألم ترى إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت ورأيت المنافقين يصدون عنك صدودا )

( فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهوائهم ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله إن الله لا يهدي القوم الظالمين )

قاعدة مهمة : مقصود الشريعة : إبتلاء العباد بالتزام أحكام الشريعة عن طواعية وتسليم , وهو المقصد الذي غقل عنه كثير من المتكلمين في الشرعيات حين يسرفون في تتبع الحِكم وعلل الأحكام غافلين عن أعظم مقصد في التشريع فيقعون في توهين واجب الإنقياد للشريعة بل قد يتطور الأمر إلى معارضة الأحكام الشرعية بفقه المقاصد فتعطل الأحكام في ضوء المقاصد وهذا الملحظ الدقيق أشار إليه الهروي في حديثه :-

(( تعظيم الأمر والنهي : وهو أن لا يعارض بترخص جافٍ , ولا يعرضا لتشديد غالٍ , ولا يحملا على علل توهن الإنقياد ))

قال ابن القيم :-

(( وأما قوله : ( ولا يحملا على علل توهن الإنقياد ) يريد :-

أن لا يتأول في الأمر والنهي علل تعود عليهما بالإبطال كما تأول بعضهم شرب الخمر بأنه معلل بإيقاع العداوة والبغضاء والتعرض للفساد فإذا أمن من هذا المحذور منه جاز شربه .

وقد بلغ هذا بأقوام إلى الإنسلاخ من الدين جملة , ومن العلل اللتي توهن الإنقياد : أن يُعلل الحكم بعلل ضعيفة لم تكن هي الباعثة عليه في نفس الأمر , فيضعف إنقياده إذا قام عنده أن هذه هي علة الحكم , ولهذا كانت طريقة القوم عدم التعرض لعلل التكاليف خشية هذا المحذور , وفي بعض الآثار القديمة :-

( يا بني إسرائيل لا تقولوا : لم أمر ربنا ؟ ولكن قولوا : بم أمر ربنا ؟ )

وأيضا : فإنه إذا لم يمتثل الأمر حتى تظهر له علته لم يكن منقادا للأمر , وأقل درجاته : أنه يضعف إنقياده لله )) .

ومما يمكن قوله في هذه المسألة : أن في استكشاف حِكم الشريعة أحيانا والتنبيه عليها ما يكون مثبتا للمرء بل وقد تزيد في تسليمه وانقياده لها ولذا فقد يأتي تقدير الحكمة في النص بما يؤكد على ثمرة ذكره وفائدته , مثال ذلك :-

(( مطهرة للفم مرضاة للرب ))

لكن ينبغي التنبه في هذا المقام والحذر من بابين خطيرين :-

الأول : الحذر من القول على الله بغير علم , فهو محرم من أشد المحرمات

( وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون )

فليس لأحد أن يتكلم في هذا الباب بالظن والخرص لأن الكلام في حكم الشريعة كلام عن حكمة الله فيها وهو مقام خطير .

الثاني : الحذر من المغالاة والإسراف في التفتيش عن الحكم فإنه مظنة الوقوع في المأزق السابق وأيضا هو موهن لمقام التسليم بتعويد النفس على عدم التسليم فيما لم يستبن حكمته .

ثلاث حوادث مفصلية في التربية على مبدأ التسليم :-

1 - حادثة الإسراء والمعراج .

2 - ملابسات تحويل القبلة .

3 - واقعة صلح الحديبية .

هذه الحوادث كلها كانت توهم تعارضا مع العقل أو كانت ضد رغبة الصحابة وكانت شديدة على الصحابة حتى أن بعضهم في حادثة الإسراء والمعراج ارتد !

ولذلك قال سهل بن حنيف : (( اتهموا الرأي فلقد رأيتني يوم أبي جندل ولو أستطيع أن أرد على رسول الله أمره لرددته والله ورسوله أعلم )) .

[ مزالق هدر النصوص ]

س / أين الخلل ؟

ج / أحد أكبر الإشكاليات الواقعة في الساحة الفكرية القابلية لدى بعض المنهزمين الواقعين تحت تأثير بهرجة القيم الليبرالية إلى إعادة ترتيب المنظومة الشرعية للتوافق مع معطيات الحضارة الغربية

فإذا نوقش بأن مقتضى التسليم للنص جعله حاكما على الواقع أخذ يسرد جملة من الإعتراضات وقبل الشروع فيها وفي مناقشتنا لها يحسن التنبيه إلى عدد من القضايا :-

القضية الأولى : التأكيد على أن التسليم عمل قلبي عظيم وأن مرد معرفة حصول تقصير فيه هو إلى صاحبه غالبا , وكثيرا ما يستشعر المرء من نفسه إخلالا بهذا الأصل وحرجا يجده في نفسه إما لحظة مكافحة النص أو متى ما توقف مع نفسه بعد ذلك (( بل الإنسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره ))

فليتذكر أن الله مطلع على كمائن النفوس والسرائر

القضية الثانية : مناقشة هذه المزالق ليست من أجل محاكمة الآخرين في تسليمهم , وإنما المقصد والتأكيد على ضرورة ملاحظة الذات ونوازعها حيال نصوص الشريعة والحذر من الإندفاع لواحد من مزالق النصوص .

القضية الثالثة : أن من طبيعة الإنحراف أن يبتدئ صغيرا ثم لا يلبث أن يتمدد ويتوسع

وقد لاحظت أن كثيرا من المنحرفين عن الخط السني ابتدأ انحرافهم بتخطي حاجز الإنضباط في مسألة ثم لا يلبث إلا و يدخل صاحبنا في درب انحرافات كثيرة ولا يزداد مع الأيام إلا بعدا وانحرافا مثال ذلك :-

أن من يبدأ في الطعن في معاوية فلا يلبث أن يطعن في غيره من الصحابة , وهذا مشاهد واقع

القضية الرابعة : من المهم التفطن له بيان ما يتصل بمسألة التفاوت الواقع في رتب النصوص الشرعية من جهة الثبوت والدلالة

فمتى ماكان النص قطعي الثبوت والدلالة فالتسليم له والأخذ به متعين وواجب والمخالف له مذموم فإن لم يعتقد القطعية فقد يعذر بالتأول والجهل ونحوه .

وأما إن كان ظنها فالتسليم والإذعان متعين ولا يلغي وصف الظنية واجب التسليم للنص في الإعتقاد والعمل

- ظنية النص تمنع من الحكم على من خالف في ثبوته أو فهمه بأنه تارك للتسليم ضرورة , بل قد يكون مسلما للنص بمقتضى فهمه شريطة أن يؤدي الإشتراطات الشرعية الصحيحة

- المعايير لقطعية وظنية النص المعتبرة هي معايير أهل السنة والجماعة لا المعايير المبتدعة

- القطعية والظنية مما يدخل فيها النسبية أي : أنه يعتقد باحث بقطعية نص ولا يعتقدها بقطعيتها  آخر .

4 إجابة

0 تصويتات
بواسطة (20.5ألف نقاط)
 
أفضل إجابة

2


[ المزلق الأول : مشكلة القراءة ]

- بيان المزلق :-

المشكلة ليست في مبدأ التسليم ولا هي مع النص وإنما في فصيل خاص للتسليم لقراءته الخاصة في النص وفرق بين التسليم للنص والتسليم لقراءة النص فالتسليم للنص لا إشكال فيه , أما التسليم لواحد من قراءته فهو محل الإعتراض .

لمعالجة هذه الإشكالية ينبغي الإلمام بجملة من العناصر واللتي ترسم تصورا صحيحا لعلاقة النص المقدس بالفهم البشري وصلة ذلك بمبدأ التسليم وتتلخص في عناصر :-

أولا : بين قدسية الوحي والفهم الغير المقدس :-

الحقيقة أنه يمكن عد هذه الشبهة هي الشبهة المركزية اللتي يدور عليها هذا الخطاب وهي تتخذ أشكالا لكنها تختلف في المضمون :-

( النص مقدس لكن فهمه غير مقدس - يجب الحفاظ على مسافة بين النص وقارئ النص - عندنا إسلامات متعددة فأيها نطبق .. وغير ذلك )

محصلة الشبهة النهائية أن الشريعة تكتسب قدسية زائفة بأن الشريعة لا تفسر نفسها بنفسها وإنما يفسرها الإنسان وبجرد قراءة الناس للوحي يتحول من طبيعة تنزيلية إلى طبيعة تأويلية , من كونه منطوقا إلهيا إلى كونه مفهوما بشريا .

* مكمن الإشكال الرئيسي هنا هو في تصوير نصوص الشريعة وكأنها مزيج هلامي متشابه لا يتمايز منه شيئ عن شيء من البيان والوضوح بل الكل قابل لقراءات متعددة متكاثرة .

والحق أن الوحي فيه المحكم الواضح البين بنفسه الذي في غنى عن التأويل والإجتهاد البشري , قال تعالى :-

( هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات .. الآية )

والمحكمات من آي الكتاب : ما لم يحتمل من التأويل إلا وجه واحد .

والمتشابه منه : ما احتمل من التأويل أوجها .

وقد بين الطبري أن بعض المحكم تحصَل على وجه الإحكام لبيان الله تعالى او رسوله ,فقال :

( أو يكون محكما , وإن كان ذا وجوه وتأويلات وتصرف في معان كثيرة بالدلاله على المعنى المراد منه إما من بيان الله تعالى ذكره عنه , او بيان رسوله لأمته , ولن يذهب علم ذلك عن علماء الأمة).

إذا يجب تحديد موقع النص من خارطة المحكم والمتشابه والحيدة عن هذه الحقيقة الشرعية يجعل من الوحي مجرد قالب لفظي لا قيمة له ولا يوصل إلى معنى محدد , بل يمكن أن يوصل للنتيجة وضدها , ويُفسر بالشيء ونقيضة وهي دعوى :-

- تخالف المحسوس من شأن هذا الوحي وبيانه ووضوحه

- مناقض لوصف القرآن بالوضوح وأنه بيان ومبين وتبيان ونور وهدى وفرقان وكتاب أحكمت آياته

- ويلزم منها جعل الحديث القرآني المتكرر عن حاكمية الشريعة والرد إلى نصوصها في حال الإختلاف وبيان الفرق بينها وبين حكم الجاهلية عبثا لا فائدة منه , وإحالة على معدوم وأمرا بما لا يطاق .

- ويلزم هدم الأدلة الشرعية جميعها وعدم التعويل عليها إطلاقا

- وسيفتح علينا باب من السفسطة وأي باب

- وإذا أطلقت القول بنسبية الحق في الفهم فلا يحق لك تخطئة المخالف لك مهما كان الفهم خاطئ أو غاليا أو مجافيا - حتى الخوارج يُقرَوا بما فهموه من نصوص الوحي .

ثانيا : الوحي بين الإحكام والمتشابه :-

( هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر المتشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء وابتغاء تأويله .. الآية )

هنا يثبت الله أن في القرآن محكم ومتشابه لحكمة أرادها ومن رحمة الله أن جعل محكمات الكتاب غالبة على الكتاب حيث وصف المحكم بـ( أم الكتاب )

ورد في تفسير الطبري :(( وإنما سماهن أم الكتاب لأنهن معظم الكتاب وموضع الفزع عند أهله عند الحاجة إليه وكذلك العرب تسمي الجامع معظم الشيء : أما له ))

ومتى ما تعلق المرء بالنص المتشابه دون المحكم كان ذلك على أمارات الزيغ والتعلق بالنص الأقل حضورا ووضوحا على حساب النصوص المحكمة الواضحة

ثالثا : من يملك حق التفسير ؟

انطلاقا من قسمة ابن عباس في طبيعة التفسير القرآني وهي :-

1 - وجه تعرفه العرب من كلامها .

2 - تفسير لا يعذر أحد بجهالته .

3 - تفسير يعلمه العلماء .

4 - تفسير لا يعلمه إلا الله .

فثمة مجال تفسيري يجب أن لا يتحدث فيه إلا ذوو الإختصاص من أهل العلم والله يقول :-

( فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون )

رابعا : ضبط منهجية النص :-

ملامح مهمة في تقرير هذه القضية المهمة على نحو مختصر :-

1 - أدوات فهم الوحي مبثوثة في الوحي ذاته .

2 - منه الفهم الصحيح يتكئ في الجملة على قضيتين رئيسيتين :-

أ- علم بأصول الخطاب العربي .

ب - معرفة بأقوال السلف الصالح .

3- إعتبار اللغة العربية ومعهود الأميين أساسا لفهم الكتاب والسنة .

4 - يشكل الصحابة حضور مركزي في مفهوم السلف الصالح .

5 - دلالة الوحي على اعتبار فهم الصحابة جاء بطريقتين :-

أ- مباشر : بالأمر بالإتباع .

ب- غير مباشر : بيان الفضل والعلم لهم .

خامسا : من مشكلة التأويل إلى إعادة القراءة :-

أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - أن مركز الصراع في الوحي سينتقل نسبيا من مركز التنزيل إلى مركز التأويل فقال :-

(( .. إن منكم من يقاتل على تأويل هذا القرآن كما قاتلت على تنزيله .. الحديث ))

وأكثر المصطلحات حضورا في معركة الفهم هما :-

1 / التأويل .          2 / إعادة القراءة .

والمقصد الآن هو تبيين أوجه المعارضة اللتي تقع باسم هاتين القضيتين لمسألة تسليم الله ورسوله .

( التأويل )

وهو يدور على معنيين صحيحين :-

1 - التفسير

2 - الحقيقة اللتي يؤول إليها الشيء .

وعليهما يدور تفسير كلمة التأويل في خطاب الوحي .

أما التأويل في المصطلح الكلامي فهو صرف اللفظ عن الإحتمال الراجح إلى الإحتمال مرجوح لقرينة صارفة .

وهو مصطلح حادث وليس معنى معهودا في العربية وبالتالي فلا يصح تنزيل وحي خطاب الوحي عليه .

فالمؤاخذة ليس في الإصطلاح على معنى خاص للتأويل , لكن المشاحة في تنزيل كلام الله ورسوله على المعنى المولد .

- أصل مشكلة التأويل في الباعث

أصل المشكلة هوفي سبق جملة من الأصول والعقائد واحتلالها موقع الصدارة في النفس على حساب الوحي

فإذا وقع في الوحي ما يعكر صفو تلك الأصول فإنه يتم الكر عليها بالتحريف تحت مسمى التأويل .

فالواجب شرعا هو الإنطلاق من الوحي ابتداء طلبا للإهتداء .

- بعض أمارات التأويل الفاسد :-

الذي يجمع التأويل الفاسد حقيقة هو : انعدام الدليل الموجب للإنتقال من معنى إلى معنى , وله أمارات وعلامات :-

1 - تأويل النص بما لا يحتمله بوضعه اللغوي , كتأويل الإستواء بالإستيلاء .

2 - التأويل بما لا يحتمله اللفظ ببنيته الخاصة من تثنيته أو جمع وإن احتمله مفردا كتأويل :-

( لما خلقت بيدي )

3 - التأويل بما لا يحتمله سياقه وتركيبه واحتمله في غير ذلك السياق , كتأويل :-

( إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر صحوا .. الحديث )

[ من أراد الإستزادة فليراجع المقرر ]

وإذا تأملت في أكثر أدوات الباطل شيوعا في الفرق المنحرفة فستجد التأويل الفاسد يقف على رأس القائمة .

( إعادة قراءة النص )

هي صورة من صور الغلو في تفعيل أداة التأويل في فهم الوحي , فأصحابها في الجملة ينطلقون في قراءتهم للوحي بضغط توهمات أن معضلة التخلف السائد في العالم الإسلامي ناشئ عن الإستمساك بظواهر الوحي بما يستبقي ألفاظه ويحيد معانيه .

لنا أن نتسائل : لماذا لا يقيمون هؤلاء منظومتهم الفكرية مباشرة ويحيدون الوحي بألفاظه ومعانيه من المشهد بالكلية ؟

الجواب : يكمن في طبيعة الحال بأنهم لا يمكنهم أن يمرروا تصوراتهم افكرية مع تحييدهم للوحي فيضطرون للتعاطي مع الوحي وتمرير تصوراتهم الفكرية من خلاله .

- النص المفتوح أساس القراءة الجديدة :-

يمكن القول بأن الأصل اللتي تقوم عليها كافة مدارس تجديد القراءة هو جعل الوحي نصا مفتوحا غير خاضع لمعنى محدد .

وتتيح المجال لعبثية القراءة بعيدا عن واجبات الإستهداء بالوحي وتطلب مراد الله ورسوله منه .

والأمر لا يعدوا أن يكون في حقيقته تفريغا لدلالة الوحي من كل معنى وإحالته إلى نص هلامي سيال يلغي دوره في التوجيه والإرشاد والهداية .

وأصدق القارئ بأني غير متحمس كثيرا لتقديم رؤية نقدية مفصلة لاتجاهات تجديد التراث وإعادة القراءة لاعتبارين أساسيين :-

1- أن دائرة الجدل تدور حول مسألة بدهية : بين رؤية تجعل للنص معنى شرعيا معتبرا يجب السعي في تطلبه , وبين رؤية تحاول إلغاء قصدية الوحي بإلغاء المعنى

2 - أن الدراسات لهذا الإتجاه متوافرة بحمد الله .

[ المزلق الثاني : مشكلة الخلاف ]

-بيان المزلق :-

أن في اختلاف أهل العلم ما يدل على أن مبدأ التسليم ليس بهذا الإحكام إذ لو كان كذلك لما وقع اختلاف , ولكان من موجب التسليم اتفاق الكل على قول واحد .

وأيضا فوجود الإختلاف في مسألة يرفع عنها واجب التسليم ويجعلها مسألة ظنية يتأرجح فيها المسلم بين حق وحق آخر , فبأي حق أخذ فهو إلى خير إن شاء الله .

ووجه الإشكال ناشئ عن خلل في تصور أنواع الخلاف ودرجاته ورتبه , والموقف الشرعي من كل نوع ومعرفة ماهية التسليم المطلوب حيال كل قسم , ومما يعيب على رفع الإشكال استحضار المسائل التالية :-

أولا : الاختلاف سنة ربانية :-

وقوع الإختلاف بين الناس أمر ضروري لابد منه لتفاوت إرادتهم وأفهامهم وقدراتهم .

ولذا فإن التذمر من وجود الخلاف والحيرةعند كل خلاف مذهب غير حميد , بل الواجب أن تتفهم طبيعة هذا الخلاف في إطاره الشرعي الصحيح.

ثانيا : منشأ المشكلة الغفلة عن رتب المسائل :-

إذ المسائل الخلافية ليست على مرتبة واحدة ولذا من المهم استحضار هذا التفاوت الواقع في طبيعة المسائل المختلف فيها وأنها على رتب :-

1 / جملة واسعة من الأصول والثوابت مما يدخل في دائرة المعرفة الإنسانية العامة مما يعلمه أهل الإسلام جميعا وضرورة وهي المعبر عنها بـ( لبمعلوم من الدين بالضرورة )

فلا يصح الإختلاف فيه , فلو قدر مخالفة البعض فالواجب رد هذا الإختلاف رأسا , ولا يصح أن يلتفت إليه أو يتأثر به .

2 / ثمة مسائل إجتماعية مدركة عند أهل العلم , لا يصح فيها خلاف , ويدل على ذلك :-

(( لا تجتمع أمتي على ضلالة ))

( .. ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا )

3 / أما مسائل الخلاف فهي على ضربين :-

أ- خلاف سائغ

ب- خلاف غير سائغ , وذلك لشذوذ في القول أو بعذ عن الدليل أو ضعف في الإستدلال .

فهذا اللون من الخلاف لا يصح الأخذ به , وله أمارات :-

كالتفرد برأي يخالف المشهوة المستقر بين جماهير أهل العلم أو المخالفة البينة لنص المسألة وهكذا وهو المسمى عند العلماء بـ( زلة العالم ) واللتي يحرم متابعته عليها .

أما الخلاف السائغ وهو : ماكان واقعا في مسائل الإجتهاد فالواجب فيه التعاذر مع تطلب الحق فيه .

وهذا هو الداخل في قاعدة أهل العلم ( لا إنكار في مسائل الإجتهاد ) شريطة أن تكون :-

أ - بواعث تبني هذا الرأي طلب الحق وإرادة الوصول إلى مراد الله لا تلمس هوى النفس وما يناسب الإنسان .

ب - سلوك الطريق الشرعية المعتبرة للترجيح بحسب طبيعة الناظر وعلمه .

ولا يقال للمخالف : أين تسليمك للنص ؟

بل تسليمه مع اجتهاده قائم .

0 تصويتات
بواسطة (20.5ألف نقاط)

3


ومن المهم مراعاته هنا : أن تقسيم المسائل هنا لا يمكن فرزها بضابط قطعي , بل الأمر يتفاوت في تقدير المسائل من عالم لآخر ومن مسألة لأخرى , فلدينا ثلاث دوائر هنا :-

أ - مسائل إجماع بلا إشكال .

ب - مسائل إجتهاد بلا إشكال .

ج - مسائل مشتبهة في تقدير وزنها الشرعي , وقد يكون الإشتباه في :-

- دخولها في منطقة الإجماع أو إلحاقها بمنطقة الخلاف .

- دخولها في منطقة  الخلاف المعتبر أو إلحاقها بمنطقة الخلاف الشاذ .

ثالثا : تفاوت رتب المسائل وضرورة التسليم :-

لا يصح بحال الإتكاء على وجود اختلاف في مسألة لتبرير الإنتقاء فيها بالتشهي أو إدخالها في دائرة المباح , بل الواجب تلمس الحق بصدق , مع الإقرار بأن القرب هنا نسبي بحسب ما يراه الباحث أقرب للحق .

رابعا : مصادر الإختلاف العلمي بين الإستنباط والتنزيل :-

إذا تأملت في كثير من اختلافات أهل العلم وجدت أن بعضها ليس راجعا أصلا إلى اختلاف في وجود النص وفي صحته ولا في فهمه ولا في كيفية استنباط الحكم منه , بل هو راجع إلى أمر آخر خارج عنه

إذ تصرف المفتي في العادة مركب من قضيتين غالبا :-

أ - حكم شرعي مستنبط .

ب - ثم تنزيل لهذا الحكم على واقعة مخصوصة .

فالفتيا قد يدخل عليها الخطأ إما من قصور في إدراك الحكم أو خلل في معرفة الواقع

وقد يكون للمستفتي مزيد اختصاص بعلم الواقعة من المفتي مثل : تمييز المرأة لدم الحيض , أو دراسة القوائم المالية لشركة ما .

ولا يصح للمستفتي أن يأخذ بفتيا بعد أن اتضح له خطأ في التنزيل , بل الواجب توضيح الواقع على صورته للمفتي .

خامسا : خطورة توليد الأقوال :-

لا يصح توليد أقوال خارج دائرة المختلف فيها لأن ذلك تجويز لأن يكون الحق غائبا بالكلية في زمن من الأزمان ولا تجتمع أمة محمد على ضلالة .

سادسا : الإحتجاج بالخلاف للترخص :-

ما يعتقده بعض المسلمين من أن الخلاف متى ماكان واقعا في مسألة من مسائل الشريعة فإن المرء في سعة من الإختيار بين الأقوال الخلافية قول باطل

فالعبد ليس مخيرا بأن يختار ما شاء بل بما جزم بأنه مراد الله إن كان عالما , وإلا فباتباع أهل العلم عبر سؤالهم .

ويترتب على القول بحجية الخلاف الفقهي لوازم فاسدة :-

1 / عدم إلزامية الوحي إلا ماكان مجمعا عليه وهو مذهب باطل لم يقل به أحد من أهل العلم .

2 / إباحة الترخص مطلقا فيما اختلف في حرمته , والذي يعد حقيقة تتبعا لرخص الفقهاء والذي حذر منه أئمة السلف :-

(( إن أخذت برخصة كل عالم اجتمع فيك الشر كله ))

(( من تبع شواذ العلم ضل ))

3 / أنه يتضمن تعطيلا لمقصد الإبتلاء في وضع الشريعة .

4 / أنه يتضمن إسقاط جملة بأحكام الشريعة في كل ما وقع فيه الإختلاف .

5 / جملة منها أوردها الشاطبي في كتابه ’’ الموافقات ’’ منها :-

(( الإنسلاخ من الدين بترك اتباع الدليل إلى اتباع الخلاف .. وكالإستهانة بالدين وغير ذلك من المفاسد ))

[ المزلق الرابع : مشكلة تغير الفتوى والأحكام ]

- بيان المزلق :-

أن من عظمة الشريعة استجابتها لمتغيرات الواقع وتقلباته , وليست الشريعة مجرد نصوص جامدة لا تقبل الزحزحة أو التطوير , بل هي تتطور مع تطور الواقع للتفاعل معه .

وقد أقر الفقهاء بهذا وأصلوه في قاعدتهم الشهيرة :-

(( الفتوى تتغير بتغير الزمان والمكان )) بل ومارسوه فعليا وفي فقه الشافعي القديم والجديد عبرة .

* تأتي المشكلة في صورتين :-

إحداها : صورة غالية تدعي أن النص الديني إنما نزل في ظل ظروف زمانية/مكانية خاصة , فلا يصح استجابه للتطبيق في حياتنا اليوم .

وثانيها : صورة أخف وتتكئ على قاعدة ( تغير الأحكام بتغير الزمان والمكان ) لهدر بعض الأحكام الشرعية مما يرونه وجوب تركه لاعتبارات يرونها .

ووجه الجواب على هاتين الإشكاليتين في العناصر الآتية :-

أولا : الشريعة بين الثبات والشمول :-

من قواطع الشريعة تقرير هيمنتها وحاكميتها على الواقع وأن هذه الهيمنة تستغرق مجال الزمان والمكان وتمتد باستمداد الواقع إذ من سمات الشريعة ( الثبات والشمول )

فلا منازعة ولا إشكال بين علماء المسلمين قاطبة بوجوب إخضاع الحياة الإنسانية للشريعة الإسلامية , وأن الشريعة تتسم بطابع الشمولية , ومن تلك الدلائل :-

* أن الله حصر حق الحكم والتشريع في نفسه - سبحانه -

( إن الحكم إلا لله يقص الحق وهو خير الفاصلين )

* أن الله تعالى أثنى على حكمه :-

( أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون )

* أن الله بين أن وحيه شامل لكافة احتياجات العباد وأن حكمه جاء مفصلا مبينا :-

( ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمؤمنين )

* أن الله بين كمال شرعته ودينه :-

( اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا )

فمدعي انحصار التشريع بزمان أو مكان مخصوص يلزمه ادعاء احتياج الدين إلى التكلميل والإضافة بحسب المكان والزمان .

* أن الله تكفل بحفظ شرعه وبين أنه لا مبدل لحكمه سبحانه ولا معقب له :-

( إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون )

( وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم )

فهذه النصوص دالة على استمرارية بقاء هذه الشريعة باستمرارية حفظ مصادرها ومن العبث أن يكون موجودا ومحفوظا ولا يلزم الأخذ به والعمل بمقتضاه .

* أن الله أنزل هذه الشريعة لتكون حاكمة على العباد :-

( كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه )

* أن الله أوجب على العباد تحكيم شريعته والتحاكم إليها :-

( فاحكم بينهم بما أنزل إليك ولا تتبع أهوائهم عما جاءك من الحق )

( .. لتحكم بين الناس بما أراك الله )

وهو عام لكل زمان ومكان , ومدعي الخصوصية يلزمه القول بأنه الله أوجب علينا ما لا يصح لنا الأخذ به .

* أن الله نفى عن الإنسان حق الخروج عن حكمه :-

( وماكان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا )

* أن الله جعل متابعته غير شرعته ضلالا مبينا :-

( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون )

فالله يحذر مغبة ترك تحكيم شريعته وأولئك يقولون ليس ثمة شريعة أصلا في هذا الزمان يلزم تحكيمها .

فإن قيل : هذا التصوير لواقع حاكمية البشرية يوقعنا في مشكلات متعددة عند إعماله على أرض الواقع فالشريعة خالية من الشروحات التفصيلية المتعلقة بكثير من الجوانب الحياتية : ككيفية رصف الطرق وبناء الكباري ..وغير ذلك مما يستدعي إعمالا للذهن البشري عمليا لسد هذا النقص في طبيعة الدين .

الجواب : من تصفح نصوص الشريعة فسيجد مادة كبيرة من الكلية والجزئية اللتي تتعلق اللتي تتعلق بالشأن الدنيوي , ثم هناك منطقة العفو والمباح والذي تمثل مساحة هائلة للعقل الإنساني في استحداث ما يحتاجه بشرط : عدم وجود المعارض الشرعي

وهو لم يأت لبيان كل شيء وذلك لمصلحة الناس فإن طابع الأمور تتغير بحسب احتياجات الواقع , فما يصلح اليوم قد لا يصلح للغد .

ثانيا : تحرير القول في قاعدة ( تغير الأحكام بتغير المكان والزمان ) :-

حتى تتضح معالم هذه القاعدة والفوارق بين الإعمال الفقهي المنضبط لها وبين التسيب العلماني ينبغي ملاحظة ما يلي :-

1- وصف أحكام الشريعة بالعموم والثبان والشمول هو أصل شرعي يجب الإنطلاق منه في بحث مسألة ( تغير الأحكام بتغير المكان والزمان ) , لا بحثها - كما يفعل الخطاب الحداثي - معزولة عن السياق .

2- أن منطلق أهل العلم في تأصيل هذه القاعدة هو ملاحظة تصرف الشريعة ذاتها

بينما الخطاب الحداثي منشأ القاعدة هو النظر العقلي أو التعويل على فكرة التاريخية .

3- أن ثمة قدر من الإجمال في تعبيرات هذه القاعدة تسبب في حالة التوظيف العلماني لها , ودارت في الخطاب الفقهي دون أي إشكال لما عندهم من خلفيات فقهية مسبقة ومع وُجد من أبدى قدر من التحفظ على هذه القاعدة .

4- منشأ الخلل والإشكال في حالة التوظيف السلبية لهذه القاعدة يكمن في الخلل في تصور طبيعة الواقع الذي تغير لأجله الحكم أو الفتوى .

توضيح ذلك : أن ثمة قدر تغير يجري على الحكم الشرعي تبعا لتغيرات تطرأ في طبيعة المكان والزمان

فمتى كان مناط الحكم واحدا مع تغير الأزمنة والأمكنة فمن الطبيعي أن يكون حكم الشريعة فيها واحدا ولو تغير المكان والزمان .

أما إن كان ثمة تغير في طبيعة الواقعة اللتي اتصل بها الحكم فهذه الفوارق قد تكون مؤثرة في إعطاء الواقعتين أحكاما مختلفة , مثل : القتل , فقد يكون في حادثة عمدا وأخرى خطأ فيختلف الحكم .

ومتى ادعى أحد أن الحكم الشرعي يمكن أن يتغير مع عدم تغير طبيعة المناط في الواقع فهو مدع في الحقيقة نسخا للحكم الشرعي والنسخ ليس لأحد من البشر .

5- ما أدرجه أهل العلم لهذه القاعدة من أمثلة يدل على قدر من التجوز في إطلاق هذه القاعدة , والمقصود التأكيد على أن معطى ( الزمان والمكان ) ليس موجبا لتغير الأحكام الشرعية بل الموجب النظر في الأدلة الشرعية .

6- من التعبيرات لهذه القاعدة ( الفتوى ) وقد ذاع هذا المصطلح في كتب ابن القيم

ثالثا : فقه الإمام الشافعي بين القديم والجديد :-

من التوظيفات السلبية للخطاب العلماني/الحداثي في قاعدة ( تغير الأحكام بتغير المكان والزمان ) هو أنه حين انتقل الشافعي من العراق إلى مصر فقد غير كثيرا من آرائه وذلك ناشئ عن طبيعة البيئة المتغيرة وعن مؤثرات المكان والزمان .

والجواب عن هذه الإشكالية :-

1/ أن نسبة القديم والجديد إلى مذهب القديم الجديد نسبة اصطلاحية كان المقصود منها بيان قدر من التغير الذي طرأ على فقه الشافعي وكان من الواضح أن الشافعي في مصر زاد من تحرير كتبه وانتفع بما حصله من معارف وعلوم سابقه .

2- من المهم الكشف بواعث هذا التغير الفقهي الذي طرأ , ومن ذلك :-

أ- اتساع دائرة المعرفة والعلم باطلاعه على كثير من السنن والآثار مما لم يكن قد سمعها من قبل خصوصا في رحلته إلى مكة .

ب- اعتماد على إجتهاد وقياس ونظر جديد في أدلة الشريعة , ولدت قناعة برجحان القول الثاني , ودليل ذلك قوله :-

(( ليس في حل من روى عني القديم ))

ج- اختلاف عرفية مؤثرة في فقه الشريعة أو قضايا اعتبره الشارع في ترتيب الأحكام كالضرورة والحاجة وسد الذرائع وغير ذلك مما يمكن أن يتغير من مكان إلى مكان آخر وزمان إلى زمان .

3/ يؤكد ما تقدم ما يلي :-

- عدم تجويزة لإعمال فقهه العراقي , ولو كان الفتوى بالمذهب القديم يراه صحيحا لما حرص على إماتة مذهبه القديم , ولجوز للعراقيين العمل بالمذهب القديم وهو مالم يقع .

- تصريح أئمة الشافعية بأن مالم يتغير فيه اجتهاد الشافعي من اختياراته ولم يُحدث فيه مذهبا جديدا فمذهبه القديم

- أن هناك مسائل رجع عنها لا علاقة لها أصلا بتغير البيئة والزمان .

- تصريح أئمة الشافعية بعدم جواز تقليد الشافعي في مذهبه القديم مما رجع عنه ولو كان المقلد عراقيا .

- أن هناك قدر من الخلاف بين أئمة الشافعية على تأريخ مذهبه , فلو كان الشأن مجرد تغيير المكان والزمان لما كان هناك خلاف حول بداية تاريخ تغير مذهبه .

- أن الإمام الشافعي غيره من الأئمة شديد التحري للدليل الشرعي وله في ذلك تقريرات حسنة .

0 تصويتات
بواسطة (20.5ألف نقاط)

4


[ المزلق الخامس : مشكلة العقل ]

-بيان المزلق :-

أن العقل هو من أجل نعم الله على البشرية وهو الفيصل بين الإنسان والحيوان وبه عرفت صحة النبوة وصدق الوحي

ولابد من اعتباره مرجعا في حال اختلف مع النصوص , إذ هو الكاشف عن صحتها وبرده يسقط الدليل الكاشف عن صحة النصوص فلزم الأخذ به .

ثم إن دلائل تلك النصوص ظنية خبرية بالمقارنة إلى قطعية الدلالة العقلية البرهانية , ولا شك أن تقديم الدلالة الأقوى مقصود مطلوب والتعلق بالظن مشروع .

أهم القضايا اللتي ينبغي مراعاتها لمن يريد تحرير الجواب الشرعي لسؤال العقل - بإيجاز - :-

أولا : مقدمات حول العقل :-

من المهم قبل الخوض في معالجة دعوى التعارض بين العقل والنقل ووجوب تقديم العقل معرفة معنى العقل , فأي معنى للعقل يقصد حين دعوى التعارض ؟

- العقل في اللغة :-

أصل مادته مأخوذ من الحبس والمنع والإمساك , ولذا سمي عقلا لأنه يحجزه ويمنعه عن الوقوع في الهلكة .

- العقل في الإصطلاح :-

ترجع إلى معنيين رئيسين :-

1- عقل غريزي طبعي , وهو أبو العلم ومربيه ومثمره .

2 - عقل كسبي مستفاد , وهو لد العلم وثمرته ونتيجته .

وفصلها ابن تيمية رحمه الله على أربعة معان :-

+ علوم ضرورية يفرق بها بين الجنون الذي رفع القلم عنه وبين العاقل الذي جرى عليه القلم , فهذا مناط التكليف .

+الغريزة اللتي يعقل بها الإنسان .

+ العمل بالعلم يدخل في مسمى العقل أيضا .

+ علوم مكتسبة تدعوا الإنسان إلى فعل ما ينفعه وترك ما يضره .

- العقل في القرآن :-

لم تأتي مفردة العقل في القرآن هكذا بل أتت بتصريفات متعددة ومنها ( أو هي ) :-

1- فهم الكلام

2- عدم التناقض في القول

3- اختيار النافع والضار

4-  استخلاص العبر الصحيحة

5- فهم دلالات الآيات الكريمة

( استطراد في مسألتين ) :-

المسألة الأولى : العقل جوهر أم عرض ؟

الذي عليه أهل السنة والجماعة أن العقل عرض أو صفة وليس بجوهر خلافا لبعض المتكلمة والفلاسفة , فالعقل ليس شيئا قائما بذاته وإنما هي صفة لابد أن يقوم بغيره وهو العاقل الموصوف به .

المسألة الثانية : العقل محله العقل أم القلب ؟

اختلف فيه على القولين وفصل في ذلك ابن تيمية وابن القيم .

ثانيا : منزلة العقل في الخطاب الشرعي :-

في وقفات :-

الوقفة الأولى : من تأمل في الوحي فسيجد أنه يسلم إلى نتيجة معتدلة في التعاطي مع الدليل العقلي , فلا غلو ليكون الحجة المهيمنة على كافة الأدلة ولا جفوة فتلغى حجيته ودلالته ووظيفته في عملية الإستدلال الشرعي .

الوقفة الثانية : تعددت مظاهر إحتفاء الشريعة بالعقل وضرورة إعماله للتوصل إلى الحق , وهذا مبثوث في نصوص القرآن بكثرة 

ثالثا : مجالات العمل العقلي :-

بالرغم من تكريم الإسلام للعقل وحثه على استثماره والإنتفاع به فقد حدد له مجالاته اللتي يخوض فيها حتى لا يضل .

فالغيبيات اللتي لا تقع تحت مدارك العقل لا مجال له أن يخوض فيها ولا يخرج فيها عما دلت عليه النصوص .

وكذلك ينبغي التنبه إلى أن إدراك العقل لكثير من القضايا إدراك مجمل لا مفصل , وقد يكون إدراكا بعضيا لا شموليا

والحق أن العقل عنده قدرة التحسين والتقبيح مع ملاحظة محدودية هذه القدرة من جهتين :-

أ- أن قدرته محدودة لا تشمل كل شيء فقد يعجز العقل عن تقييم حسن بعض الأشياء أو قبحها .

ب- أنها ملكة لا تستتبع التكليف الشرعي ولا يترتب عليها الثواب والعقاب .

رابعا : العقل بين الوحدة والاختلاف :-

العقل يتفاوت فيه الناس تفاوتا هائلا في كثير من المعارف العقلية .

فالعقل من الأمور النسبية فإن زيدا قد يعلم بعقله مالا يعلمه بكر بعقله .

فالإحالة للعقل في تحقيق كافة المسائل الفكرية والعقدية إحالة على مالا ينضبط , فكيف يصح أن يعترف النقل بما لا ينضبط

خامسا : سؤال التعارض بين العقل والنقل :-

وهو الجواب عن سؤال التعرض بين العقل والنقل , وينبغي أن تتأسس إجابة هذا السؤال على استحضار المعطيات التالية في علاقة العقل بالنقل :-

1- العقل ليس أصلا لثبوت الشرع , ولذا لا يمكن أن يكون تصديق الرسول فيما أخبر به معلقا بشرط ( أي : بشرط موافقة العقل ) بل لابد من تصديقه في كل ما أخبر به تصديقا جازما كمن قال : ( أؤمن به إلا أن يظهر كذبه لم يكن مؤمنا باتفاق ) , وأن من قال : يجب تصديق ما أدركته بعقلي , وردورد ماجاء به الرسول لرأيي وعقلي وتقديم عقلي على ما أخبر به الرسول مع تصديقي بأن الرسول صادق فيما أخبر به فهو متناقض فاسد العقل ملحد في الشرع

وأما من قال : لا أصدق به حتى أعمله بعقلي فكفره ظاهر .

2- أن العقل هو آلة استنباط من النقل , وهو يعمل في ضوء أصول وقواعد نقلية وعقلية ولغوية لضبط عملية الإستنباط , وضمان عدم انحراف مسارها ووقوعها في الخطأ .

3- أن العقل الصريح جاء بالدلالة على كثير مما دل عليه النقل كإثبات وجود الله وأن كل ما سواه محدثوأنه سبحانه حي قدير  الخ , فلما كان الطريق إلى الحق هو السمع و العقل , وهما متلازمان كان من سلك الطريق السمعي = بين له كما بين ذلك القرآن وكان الشقي المعذب من لم يسلك هذا ولا هذا

4- أن الأصل في المسائل الشرعية أن تكون مآخذها مبينة في النقل فإذا تعاضد العقل والنقل على المسائل الشرعية , فعلى شرط أن يتقدم النقل فيكون متبوعا ويتأخر العقل فيكون تابعا .

لأنه لو جاز تخطي مأخذ النقل لم يكن للحد الذي حده فائدة , بل لو جاز لجاز إبطال الشريعة بالعقل , وهذا محال باطل .

وبيان ذلك :-

أن معنى الشريعة أنها تحد للمتكلفين حدودا , في أفعالهم وأقوالهم واعتقاداتهم وهو جملة ما تضمنته فإن جاز للعقل تعدي حد واحد جاز له تعدي جميع الحدود , لأن ما ثبت للشيء يثبت لمثله , فلو جاز إبطال واحد جاز إبطال السائر وهذا لا يقول به أحد لظهور محاله .

5- أن النقل قد يجيء بأمر لا قول للعقل في إثباته أو نفيه فإما أن يكون متوقفا أو محتارا , فمجرد التوقف أو الحيرة لا تبيح رد النقل كما هو ظاهر , إذ النقل مثبت , والعقل متوقف مع الحيرة أو بدونها فليس ثمة تعارض هنا أصلا بين العقل والنقل .

( إستطراد اضطراري لمعالجة إشكالية يكثر تداولها تحت عبارة :(( أنتم ليس عندكم إلا ابن تيمية )) )

وقائل هذا الكلام واقع في إشكاليات ثلاث :-

عدم تصور طبائع العلوم .

عدم تصور طبيعة فقه ابن تيمية .

عدم تصور واقع الخطاب السلفي .

ومعالجة هذه الإشكاليات في النقاط الآتية :-

1 / لكل علم وفن عمالقته ومبدعوه فالمشتغلين في مختلف العلوم فيهم رؤوس وفيهم من هو دون ذلك

فإن أردنا أن نتكلم في التفسير ذكرنا الطبري وابن كثير وابن عاشور .. الخ , و سائر العلوم الشرعية والدنيوية كذلك

فإذا تكلمنا عن ( الفقه والعقيدة ) فإن عملاق المتأخرين الذي حرر طريقة الصحابة فيها هو أبو العباس - رحمه الله -

وحين نقول هو أعمق المتأخرين في تحقيق طريقة الصحابة في ( العقيدة والفقه ) فهذا ليس قرارا بل نتيجة

فتجد من يقول : ولماذا تقررون أن ابن تيمية هو أكثرهم تحقيقا ؟

والحقيقة أن أحدا لم يقرر ذلك , بل هذه نتيجة لواقع فرض نفسه , وهذا مثل من يقول : لماذا جعلتم كتابي البخاري ومسلم أصح كتب الحديث !

2 / يؤكد ما تقدم أن العالم إنما ينبل عند أهل السنة والجماعة بمقدار تحقيقه لطريقة الصحابة ومن تبعهم بإحسان , لأن النبي بين الطريقة الصحيحة لهم الإسلام بقوله :(( هم من كان مثل ما أنا عليه وأصحابي ))

وقال : (( عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي )) وغيرها .

وقد كان بفضل الله ثم باجتهادات ابن تيمية في وضعه طريقة ونموذج الصحابة بين عينيه أن زالت كثير من تعقيدات المتأخرين وتكلفهم .

3 / فإذا أضفت لما سبق الإحاطة بالمعارف وحسن الفهم والذكاء وتوافر أدوات الإجتهاد , والدراية التامة بمذاهب المخالفين استبان لك أنه من الطبيعي أن يحظى بهذا الموقع المتميز من خارطة الخطاب الشرعي المعاصر .

4 / أنه بلغنا قطعة طيبة من تراثه في مختلف المعارف

5 / أنه علم وربى تلامذة جهابذة

6 / تأثر الإمام محمد بن عبدالوهاب بكتابات الشيخ طبع حضور ابن تيمية في الحركة العلمية الشرعية .

7 / أما ما يزعمه البعض من أن أئمة أهل السنة والجماعة المعاصرين لا يخالفون ابن تيمية فهذا إطلاق غير دقيق , وقد ألفت رسائل في رسائل في مخالفة ابن باز وابن عثيمين في مخالفتهم لابن تيمية .

تقوم ( فكرة معارضة النقل بالعقل ) عند أهله على أساسين :-

 1- التوهين من دلالة النقل على المعاني والأحكام في مقابل تقوية الدلالة العقلية وهي على قسمين :-

أ- أن دلالة النقل خالية من الأدلة العقلية .

ب- أن الأدلة النقلية العقلية أدلة لفظية لا تفيد اليقين .

2- لزوم تقديم العقل على النقل في حال المعارضة .

0 تصويتات
بواسطة (20.5ألف نقاط)

5


( إشكالية : خلو النقل من الأدلة العقلية ) :-

من الأوهام الغليظة قول بعضهم بأن الأدلة النقلية مجرد أخبار عارية عن الدلائل العقلية , فهذه جناية على الوحي ويدل على عدم قراءة فاحصة للوحي , فإن القرآن والسنة مليئة بالدلائل العقلية بل تمتاز بالوضوح وسهولة الفهم وقوة الحجة .

فالدليل العقلي في حقيقته واحد من أدلة الشرع , فطبيعة الدليل الشرعي قسمان :-

1- أدلة سمعية

2- أدلة عقلية

فالأدلة العقلية قسيمة للأدلة السمعية وقسيم من الأدلة الشرعية ومما يدل عليه :-

( وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير )

( إشكالية : فكرة تجريد الأدلة النقلية عن إفادة اليقين )

فهي ترتكز على دعوى أن ( الألفاظ ) موصل رديء ( للمعاني )

فهم كما يزعم هذا الفصيل مجرد ألفاظ لا يمكن الإطلاع على ما ترمي إليه من معان حتى نستيقن من 10 أمور :-

1- عصمة ألفاظ الرواة

2 - وإعرابها وتصريفها

3 - وعدم الإشتراك

4 - عدم الإشتراك

5 - عدم المجاز

6- وعدم النقل

7- و التخصيص بالأشخاص والأزمنة

8- والتقديم والتأخير

9 - والنسخ

10- عدم وجود المعارض العقلي الذي لو كان لرجح عليه .

* هذا القول مؤداه في الحقيقة إلى إلغاء حجية النقل بالكامل في حال وجود التعارض وفي حال عدمه , إذ تحصيل الجزم بمراد الله من كتابه عند هؤلاء محال إلا عند استيفاء هذه الشروط !

وهذه مسألة لا يمكن التحقق منها على نحو جازم لأن عدم العلم بوجود المعارض ليس علما بعدمها في الحقيقة , فيصبح إنزال الوحي عبثا لا مصلحة فيه , لعدم التمكن من الجزم بفهمه

ويكفي مجرد تصور حقيقة ما يؤول إليه هذا القول بفساده وبطلانه .

* أن إطلاق القول بعدم إفادة لفظ الوحي لمعنى على وجه اليقين في حقيقته لازم لكل المخاطبات الشفاهية بل هي أولى لكون الوحي أكمل في الفصاحة والبيان

وما من شك أن التشكيك بدلالة كل لفظ وتركيب وسياق لمعان محددة هو نوع من أنواع السفسطة .

* أن الوحي بلغ الغاية القصوى من البيان والضوح وهو معنى متواتر في القرآن

فإذا أضفت لذلك اليقين بكمال نصح الشارع للناس واليقين بعدم وجود قصد التعمية والغموض والإلغاز = أورث ذلك يقينا بالمعاني اللتي دلت عليها ألفاظ الوحي .

فمن زعم أن الوحي لا يفيد يقينا لعدم إمكان اليقين بالمعاني اللتي تقف خلف الألفاظ فقد ناقض القرآن ودلائله المتواترة الدالة على شدة وضوحه

وكذلك نبينا فقد بلغ الأمانة ونصح الأمة وهو أفصح الناس وأكثرهم إرادة للنصح لهم

* أن من حكمة الله تبارك وتعالى بإنزال الكتب وإرسال الرسل إقامة الحجة على العباد وهو معنى متواتر في القرآن , فمن زعم أن كلام الله ورسوله لا يفيد العلم واليقين فأي حجة تكون قد قامت على المكلفين بالكتاب والرسول ؟!

وهل هذا إلا مناقض لإقامة الحجة على خلقه بكتاب الله من كل وجه .

( إشكالية : دعوى تقديم العقل على النقل عند التعارض )

فهو الشهير بـ(بالقانون الكلي ) والذي انتهى تأسيسه والتقعيد له على يد الرازي , وتقوم على ثلاث مرتكزات :-

1 / دعوى إمكان التعارض بين العقل والنقل

2 / دعوى حضور الإحتمالات الممكنة فيما يؤخذ به ويترك في حال التعارض في أربعة احتمالات :-

أ- أن يؤخذان جميعا , وهو محال للجمع بين النقيضين

ب- أن يردان جميعا , وهو محال لرفع النقيضين

ج- يقدم النقل على العقل , ولا يجوز لأن العقل أصل النقل وبه عرف صدق النقل فلو قدم القل على العقل للزم تكذيب العقل في صدق النقل فيبطل النقل والعقل جميعا .

د- تقديم العقل على النقل .

3 / دعوى لزوم تقديم العقل على النقل بتقدير التعارض وهي ثمرة دعوى انحصار الإحتمالات في التعاطي مع العقل والنقل عند التعارض في أربع احتمالات فقط .

هذه الأسس تمثل العمود الفقري الفقري للنظرية واللتي ناقشها ابن تيمية نقاشا تفصيليا وخلاصة ماقرره في نقض هذا القانون يتمثل في ما يلي :-

( إبطال فرض التعارض بين العقل والنقل )

وهو ما يتجلى من عنوان كتاب " درء التعارض " الآخر حيث وسمه ابن القيم بـ( بيان موافقة العقل الصريح للنقل الصحيح )

ويقرر ابن تيمية في كتابه أنه في حال دون حال تحقق التعارض فالخلل داخل على أحد الطرفين :-

إما أن العقل ليس صريحا , بل شبهات عقلية باطلة .

أو النقل ليس صحيحا فإما نقل ضعيف أو موضوع .

( إبطال انحصار الإحتمالات الممكنة في الإحتمالات الأربعة في حال التعارض )

وذلك باستجلاب معامل القطعية والظنية , قال ابن تيمية :-

(( لا نسلم انحصار القسمة فيما ذكرته من الأقسام الأربعة إذ من الممكن أن يقال : يقدم العقلي تارة , والسمعي أخرى فأيهما كان قطعيا قدم , وإن كانا جميعا قطعيين فيمتنع التعارض وإن كانا ظنيين فالراجح هو المقدم .. ))

( إبطال دعوى لزوم تقديم العقل على النقل )

اتكأت دعوى لزوم تقديم العقل على الوحي على فكرة أن العقل أصل الشرع فلو رددنا العقل بالشرع لكذبنا الشاهد الذي شهد له بصدق النقل , وإذا كذبنا الشاهد لزمنا الطعن فيمن شهد له وهو النقل

قنقع في مشكلة رد النقل والعقل جميعا , فالأسلم تقديم العقل على النقل لحفظ سلامة شهادة العقل , ولئلا نقع في فخ رد الدليل العقلي والنقلي جميعا .

وحتى نجيب عن هذه الإشكالية لابد من فك حالة الإلتباس والإجمال في مسألتين :-

- معنى كون العقل أصل الشرع

- حقيقة العقل الذي هو أصل الشرع

س / ما معنى كون العقل أصل الشرع ؟

هل المقصود :-

- أن العقل أصل في ثبوت النقل في نفس الأمر ؟

أم :-

العقل أصل في علمنا بصحة النقل ؟

فإن كان المقصود أن العقل أصل في ثبوت الشرع في نفس الأمر فلا شك في بطلانه لأن كون الحق حقا والباطل باطلا غير تابع لتصور العقل عنه

إذ هي معان مستقرة في نفسها قبل وجود العقل أصلا , فلا يقال : أن النقل لم يصر حقا في نفسه حتى ظهر للعقل أنه كذلك , بل هو معنى مستقر ثابت للنقل قبل نظر العقل وعلمه .

أما إن كان المقصود بعبارة :(( العقل أصلا النقل )) أي / أنه أصل في علمنا بصحة النقل , فلا بد من التفتيش في ماهية هذا العقل الذي دلنا على صحة النقل :-

-هل هي القوة الغريزية اللتي فينا واللتي يتميز بها الإنسان عن سائر الحيوانات ؟

أم :-

- هي العلوم العقلية المستفادة من تلك الغريزة ؟

فإن كان المقصود الأول فلم ترده ويمتنع أن تريده , لأن تلك الغريزة ليست علما يتصور أن يعارض النقل .

وإن كان المقصود المعنى الثاني فقد ذكر ابن تيمية كلاما خلاصته :-

أن المعارف العقلية اللتي دلت على صحة النقل هي حق في نفسها وأن تقديم النقل في ما على توهم عقلي ليس طعنا في المعارف العقلية اللتي دلت على صحة النقل وإنما هي معارف عقلية أخرى , فالمعارف العقلية ليست شيئا واحدا متى ما طعنت في بعضه لزم ضرورة الطعن في الكل بل المسألة قابلة للتجزئة والتفريف فلا يصح والحالة هذه أن يقال أن في تقديم النقل على العقل في الصورة المذكورة طعنا في شهادة العقل بصحة النقل , فإن هذه الشهادة مقبولة غير مطعون فيها .

وإنما الطعن في شهادة عقلية أخرى وقع فيها لبس ووهم .

ومثل على ذلك بمثال لطيف تبين العلاقة بين العقل والنقل وهو :-

مثال العامي الذي أراد السؤال عن مسألة

فدله رجل على مفتٍ

فذهب العامي إلى المفتي

ثم اختلف المفتي والدال عليه , فأيهما يقدم قوله ؟

بالتأكيد سنقول : المفتي وهو الشرع

والدال عليه = العقل

* ونختم بصيغة تنازلية هو أقرب للحق من تلك الصياغة البدعية الخاطئة وإن كان فيها ما فيها لعدم صحة فرض التعارض أصلا , فقال :-

(( إذا تعارض العقل والنقل وجب تقديم النقل ..

وتقديم العقل ممتنع لأن العقل قد دل على صحة السمع .. فإن جاز أن تكون هذه الدلالة باطلة لبطلان النقل =لزم أن لا يكون العقل دليلا صحيحا

وإذا لم يكن دليلا صحيحا لم يجز أن يتبع بحال فضلا عن أن يقدم .

وأما تقديم النقل عليه فلا يستزم فساد النقل عليه ))

* الدواء النافع لمرض :( السفسطة وداء علم الكلام ) ماكان طبيب القلوب - صلوات الله وسلامه عليه - يقوله إذا قام من الليل يفتتح الصلاة :-

(( اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم )).

مرحبًا بك في بوابة الإجابات، حيث يمكنك طرح الأسئلة وانتظار الإجابة عليها من المستخدمين الآخرين.
...